العيني

20

عمدة القاري

الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين ، فعند الشافعي : في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة . واستدل بهذا الحديث ، ومذهبه أنه إذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون ، فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون ، ثم يدور الحساب على الأربعينات والخمسينات ، فيجب في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد في رواية ، وقال محمد بن ( إسحاق وأبو عبيد وأحمد في رواية : لا يتغير الفرض إلى ثلاثين ومائة ، فيكون فيها حقة وبنتا لبون . وعن مالك ، رضي الله تعالى عنه ، روايتان روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم ، رحمهما الله تعالى : أن الساعي بالخيار بين أن يأخذ ثلاث بنات لبون أو حقتين ، وهو قول مطرف وابن أبي حازم وابن دينار وأصبغ . وقال ابن القاسم ، رحمه الله تعالى : فيها ثلاث بنات لبون ، ولا يخير الساعي إلى أن يبلغ ثلاثين ومائة ، فيكون فيها حقه وابنتا لبون ، وهو قول الزهري والأوزاعي وأبي ثور ، رضي الله تعالى عنها . وروى عبد الملك وأشهب وابن نافع عن مالك : أن الفريضة لا تتغير بزيادة واحدة حتى تزيد عشرا ، فيكون فيها بنتا لبون وحقة ، وهو مذهب أحمد . وعند أهل الظاهر : إذا زادت على عشرين ومائة ربع بعير أو ثمنه أو عشره ، ففي كل خمسين حقة ، وفي كل أربعين بنت لبون ، وهو قول الإصطخري . وقال محمد بن جرير : يتخير بين الاسئناف وعدمه لورود الأخبار بهما . ووقع في ( النهاية ) للشافعية ، وفي ( الوسيط ) أيضا أنه قول ابن جبير ، أن بدل ، ابن جرير ، وهو تصحيف ، وحكى السفاقسي عن حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة أن في مائة وخمس وعشرين حقتين وبنت مخاض ، وعند أبي حنيفة وأصحابه : تستأنف الفريضة فيكون في الخمس شاة مع الحقتين ، وفي العشر شاتان ، وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه ، وفي خمس وعشرين بنت مخاض ، وفي ست وثلاثين بنت لبون فإذا بلغت مائة وستا وتسعين ففيها أربع حقاق إلى مائتين ، ثم تستأنف الفريضة أبدا كما تستأنف في الخمسين التي بعد المائة والخمسين ، وهذا قول ابن مسعود وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأهل العراق ، وحكى السفاقسي أنه قول عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لكنه غير مشهور عنه . واحتج أصحابنا بما رواه أبو داود في ( المراسيل ) وإسحاق بن راهويه في ( مسنده ) والطحاوي في ( مشكله ) عن حماد بن سلمة . قلت : لقيس بن سعد : خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم ، فأعطاني كتابا أخبر أنه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لجده ، فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل ، فقص الحديث إلى : أن تبلغ عشرين ومائة ، فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم ، في كل خمس ذود شاة . وأما الذي استدل به الشافعي فنحن قد عملنا به لأنا قد أوجبنا في الأربعين بنت لبون ، فإن الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست وثلاثين ، وكذلك أوجبنا في خمسين حقة ، وهذا الحديث لا يتعرض لنفي الواجب عما دونه ، وإنما هو عمل بمفهوم النص فنحن عملنا بالنصين ، وهو أعرض عن العمل بما رويناه . فإن قلت : قال ابن الجوزي : هذا الحديث مرسل ، وقال هبة الله الطبري : هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلاَّ مثل روايتنا ، رواها الزهري وابن المبارك وأبو أويس ، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مثل قولنا ، ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، وهي في ( الصحيح ) وبها عمل الخلفاء الأربعة . وقال البيهقي هذا حديث منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقيس بن سعد ، أخذه عن كتاب لا عن سماع ، وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب لا عن سماع ، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة ، وإن كانا من الثقات ، فروايتهما هذه تخالف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره ، وحماد بين سلمة ساء حفظه في آخر عمره فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ، ويتجنبون ما ينفرد به ، وخاصة عن قيس بن سعد وأمثاله . قلت : الأخذ من الكتاب حجة ، صرح البيهقي في ( كتاب المدخل ) : أن الحجة تقوم بالكتاب ، وإن كان السماع أولى منه بالقبول ، والعجب من البيهقي أنه يصرح بمثل هذا القول ثم ينفيه في الموضع الذي تقوم عليه الحجة . وقوله : وعمل بها الخلفاء الأربعة ، غير مسلم لأن ابن أبي شيبة روى في ( مصنفه ) : حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة ، وحدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن منصور عن إبراهي مثله . فإن قلت : قال البيهقي :